عندما تقرأ لأبي الصوفي هذه الأبيات، تشعر كأنك أمام رجل وقف وحده في وجه عاصفة، لا ليصرخ في وجهها، بل ليحول رياحها إلى نار تُضيء طريقه.

هناك شيء مدهش في هذه القصيدة: إنها لا تتوسل للشفقة، ولا ترفع سيفًا من الغضب الصاخب، بل تمسك بالحرب نفسها وتقلبها على أعقابها.

"جعلتُ الحربَ سلماً" – جملة تبدو مستحيلة، لكنها هنا تتحول إلى حقيقة شعرية، وكأن الشاعر يقول لنا إن حتى الشر يمكن أن يكون مرآة تكشف النور المختبئ خلف الدخان.

الصورة الأبرز هنا هي النار: تبدأ ملتهبة، ثم تصبح نورًا بمجرد أن يدنو منها.

هذا ليس مجرد تحول بلاغي، بل هو موقف وجودي.

البغاة الذين ملأوا الديار خصمًا، والذين أشعلوا الحروب ظلماً، لم يدركوا أن شرهم هذا سيُفضي إلى عكس ما أرادوا.

هناك سخرية لذيذة في الأبيات، كأنها تقول: "أنتم ظننتم أنكم تحرقونني، لكن النار التي أشعلتموها هي التي ستكشف زيفكم".

أكثر ما يثير الفضول هو هذا الهدوء الغريب في صوت الشاعر، كأنه يعرف مسبقًا أن كل حرب ستتحول إلى سلام، وكل ظلام سينكسر على ضوء.

هل كان أبو الصوفي متصوفًا حقًا، أم أنه ببساطة فهم أن الحياة تمزج بين الألم والنور بطريقة لا يمكن فصلها؟

وما الذي يجعلنا، نحن القراء، نصدق هذا التحول رغم كل المنطق؟

ربما لأننا نريد أن نصدقه.

.

.

لأننا بحاجة إلى أن نرى الشر يتحول إلى شيء آخر، حتى لو كان ذلك في بيت شعر.

هل سبق لكم أن وجدتم أنفسكم في موقف تحول فيه عداء الآخرين إلى فرصة؟

وهل تعتقدون أن السلام الحقيقي يبدأ أحيانًا من قلب الحرب نفسها؟

1 Comments