الموازنة بين التقدم العلمي والتوجيه الديني في عصر تتلاحق فيه الاكتشافات العلمية وتتسارع خطوات التطوير التكنولوجي، يصبح من الضروري إعادة النظر في العلاقة بين العلوم الحديثة والتوجيهات الدينية التقليدية.

بينما تقدم لنا المعرفة الطبية حلولا جذرية لمختلف المشكلات الصحية، فإن هناك حاجة ملحّة لإعادة تعريف مفهوم "الصحة" ليشمل ليس فقط الجانب البيولوجي بل أيضا الروحاني والنفسي والعاطفي.

إن سرعة عجلة الزمن قد تؤدي بنا إلى تجاهل تلك الأبعاد الأخرى التي تشكل جوهر وجود الإنسان.

فالإنسان كائن متعدد الطبقات، وسلامته لا تقتصر فقط على سلامة جسده وإنما امتدادا لذلك إلى سلامة روحه وعقله وبيئته الاجتماعية والثقافية والدينية أيضا.

هنا يبرز دور الفقه والحكمة الإسلامية القديمة، والتي كانت سباقة في وضع أسس للحياة المتوازنة والصحية منذ قرون مضت.

فقد أكدت على أهمية الاعتدال في الطعام والنوم والعمل، وعلى ضرورة العناية بالنفس من خلال الذكر والشكر والتسامح والإيمان بالقضاء والقدر.

كما أنها سلطت الضوء على قيمة التواصل الاجتماعي ودعم الأسرة والمجتمع كمصدر رئيسي للسعادة النفسية.

بالتالي، علينا أن نسعى لتحقيق نوع مختلف من التكامل، حيث يتم الجمع بين أفضل ما لدى كلا المجالين: الحداثة والمعاصرة مع الأصالة والقيم الثابتة.

وهذا يعني الاستفادة القصوى مما يقدمه الطب الحديث والرعاية الصحية دون التفريط بقيم التقوى والورع والأخلاق الحميدة التي جاء بها الدين الإسلامي.

لننظر مثلا لأحد الأمثلة البسيطة: عندما يتعلق الأمر بمعالجة مرض مزمن مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول السيء، يستطيع المرء اتباع نصائح طبية حديثة بشأن النظام الغذائي وممارسة الرياضة، ولكنه وفي الوقت ذاته بإمكانه أيضًا اللجوء للدعاء والصيام كوسيلة لدعم عملية التعافي وفق تعاليم ديننا الكريم.

وفي النهاية، يتضح أنه رغم الاختلاف الظاهر بين هذين المجالين –العلم والدين– فإنهما يشتركان بنفس الهدف النهائي وهو رفاهية الإنسان وسعادته.

ومن واجبنا جميعا البحث عن أرض مشتركة يمكن من خلالها خدمة مصالح البشرية جمعاء، وذلك بوضع رؤى مستقبلية تجمع بين خبرتنا المعاصرة وحكمتنا الخالدة.

1 التعليقات