هل الحرية هي الغابة التي نبحث عنها؟

في عالم يعيش فيه الإنسان كحيوان اجتماعي مقيد بقواعد وضعتها الجماعات البشريّة منذ قرون، أصبح مفهوم "الحرية" موضوع نقاش فلسفي واسع ومتجدد باستمرار.

فماذا يعني أن يكون المرء حرًا حقًا؟

هل هي القدرة على اتخاذ القرارت الشخصية دون قيود خارجية فقط، أم أنها تشمل أيضًا الانعتاق من القيود الداخلية مثل العادات الاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها مما قد يقيد اختياراتنا وطموحاتنا؟

من جهة، فإن المجتمع المدني الحديث يدعو إلى حقوق فردية وحرية شخصية مطلقة تقريبًا، حيث لكل فرد الحق في اختيار طريقه الخاص واتجاهاته السياسية وحتى الدينية (في معظم البلدان).

لكن الواقع يشير إلى وجود تناقض كبير بين هذه المثل العليا وما يحدث عملياً؛ فالعديد من المجتمعات اليوم ما زالت تخضع لقوانين وأعراف تقليدية تحد بشكل مباشر وغير مباشر من قدرة الأفراد على ممارسة حياتهم وفق رغباتهم الخاصة.

الأمر الأكثر إثارة للقلق أنه حتى عندما يتمتع الناس بحقوق مدنية كاملة وظروف مواتية لحياتهم الخاصة، فقد تكشف التجارب النفسية والفلسفية المختلفة بأن الشعور بالحرية الكاملة أمر نسبي للغاية ومحدود التأثير مقارنة بعوالم داخلية أوسع نطاقاً.

فعلى سبيل المثال، كثير من الأشخاص الذين عاشوا تجارب التعذيب الجسدي والنفسي تحت الاحتلال والاستبداد وجدوا صعوبة شديدة بالتخلص من آثار ذلك الذهنية حتى لو تغيرت ظروف حياتهم الخارجية نحو الأحسن.

وهذا دليل واضح لصالح الادعاء القائل بأن الأسئلة المتعلقة بالحياة ومفهوم الذات والبحث عن المعنى الحقيقي للإنسان أكبر بكثير من مسألة الحرية الخارجية وحدها.

إذا كانت الحرية حق مشروع للفرد ضمن حدود معينة تحفظ سلامة نفسه ومن حوله، فلابد وأن نتذكر دائماً أن غياب القانون وانعدام التنظيم سيقود بلا شك إلى حالة الفوضى وعدم الاستقرار والتي ستضر الجميع بغض النظر عن نوايا جيدة قد يحملونها لبعض الوقت قبل انهيار نظام العدالة والقيم المشترك بينهم.

وبالتالي، هناك حاجة ماسة لإيجاد نوع جديد من الموازنات بين هذين المصطلحان الأساسيان لحياة كريمة وسعادة جماعية مستدامة.

في النهاية، ربما أفضل طريقة لفهم العلاقة بينهما تتمثل بمقارنتهما باعتبارهما جانبان متكاملان لعملة واحدة تسمّى باسم "الإنسانية".

وفي حين تعتبر الحرية أحد أهم السمات المميزة للبشر، إلّا أنها تحتاج أيضاً إلى بيئة آمنة ومنظومة قيم راسخة تدعمها وترشد خطواتها نحو مستقبل أفضل للعائلة البشرية جمعاء.

1 Comments