تداخل الزمن والتطور: دروس من المدن التاريخية والذكاء الاصطناعي من نيسابور وتبريز إلى غرناطة وكوبنهاغن، عبر نويبع والدلم وحتى كييف، تشترك جميعها بقوة السرد التاريخي وقدرته الملحوظة على التأثير على حياة الناس وهوياتهم الوطنية اليوم.

فالمدن ليست فقط خرائط جغرافية ثابتة بل تحكي قصصاً حية ومتغيرة باستمرار.

وهذا موضوع ينطبق أيضاً عند مناقشة التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالتقنيات الطامحة كالذكاء الاصطناعي.

بالعودة للمقال الأول، نرى أنه صحيح أن فرص العمل الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تبدو مغرية ولكن يجب ألَّا نسمح لهذه الفرص بإلهاؤنا عن الجانب الآخر وهو الضرر المحتمل لسوق العمل الحالي والذي قد يتسبب بفقدان الكثير وظائفهم.

وفي حين قد تخلق تقنيات المستقبل أنواعا جديدة ورائجة لوظائف لم نخبرها بعد (كما حدث سابقا)، إلا إن عملية الانتقال ستكون مؤلمة بلا شك وسيتطلب الأمر جهدا جماعياً وعدالة اجتماعية أكبر لدعم المتضررين منها.

وهنا يأتي دور الحكومات وهيئات المجتمع المدني لتبادر بوضع خطط وسياسات فعالة قبل حدوث أي انهيارات مفاجئة.

كما تحتاج المؤسسات التعليمية لإعادة النظر بمنظومات التدريب الخاصة بها بما يتماشى مع واقع السوق الجديد.

وعلى صعيد آخر، تؤكد دراسة المدن المختلفة أهمية ارتباط الإنسان بجذور تراثه وماضي أسلافه.

سواء كنا نتحدث عن مدينة عاش فيها مسلمون سابقون وتركت علامات واضحة على عمرانها مثل غرناطة، أو مواقع ذات قيمة استراتيجية عالية لعبت أدوار رئيسية في التجارة والحرب كسلطنة عمان مثلاً.

فهذه المناطق تجذب السياح وتحسن الاقتصاد المحلي وتساهم أيضا بحماية ذاكرة الشعب الجماعية وتعزيز شعوره بالفخر والانتماء.

وبالمثل، عندما نقوم بربط حاضرنا بزمان مضى نصبح قادرين على رسم صورة أفضل لمستقبل نريد له النمو والازدهار بعيدا عن التشتت والضياع وسط موجات التقدم العلمي والتكنولوجي التي لا تهدأ.

وفي النهاية، علينا عدم تجاهُل ركن هام جدا في حياتنا ألا وهو الراحة النفسية والرعاية الشخصية.

لقد بات واضحا مدى العلاقة الوطيدة بين صحتنا العامة والعوامل الخارجية المؤثرة عليها والتي تشمل نوع الطعام الذي نمارسه وطريقة تنظيم وقت فراغنا وغيرها الكثير.

لذلك لنركز اهتمامنا معا على كيفية تحقيق أعلى مستوى ممكن من السلام الداخلي سعيا لأن نبقي أرواحنا صافية وقلوبنا مطمئنة مهما اشتدت رياح الدنيا المحيطة بنا.

1 التعليقات