هل الوراثة الحقيقية هي وراثة المعرفة أم وراثة الوصول إليها؟

الأسرة العلمية لا تورث العلم، بل تورث البوابات التي تقود إليه: المكتبات الخاصة، الشبكات الأكاديمية، التمويل السري للمشاريع، وحتى اللغة السرية التي يتحدث بها أهل الاختصاص.

المشكلة ليست في الوراثة بحد ذاتها، بل في أن بعض المجتمعات حوّلت هذه البوابات إلى حواجز: من يملك مفتاحها يُمنح لقب "العالم"، ومن يُحرم منها يُرمى في خانة "الدخيل" حتى لو كان عبقريًا.

المال الحديث يعمل بنفس الآلية: ليس مجرد أداة تبادل، بل نظام توزيع للفرص.

التضخم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل ضريبة غير مرئية تُفقر من لا يملك أصولًا وتغني من يملك شبكات حماية مالية.

الدواء باهظ الثمن ليس لأن تكلفته الإنتاجية مرتفعة، بل لأن من يملك براءة الاختراع يحدد من يستحق العلاج ومن يُترك للموت.

المعرفة هنا ليست مختلفة: من يملك حق الوصول إليها يحدد من يستحق أن يعرف ومن يُترك في الظلام.

ماذا لو كان "الحقل المعلوماتي" الذي نتحدث عنه ليس مجرد فكرة فلسفية، بل بنية تحتية حقيقية تُدار بنفس منطق البنوك المركزية؟

بعض الأفكار تُضخ في السوق كعملة قوية (العلوم الغربية)، وبعضها يُحجّم كعملة ضعيفة (المعارف المحلية).

الحدس ليس مصادفة، بل استغلال فجوات في هذا النظام: من يعرف كيف يبحث يجد، ومن لا يعرف يُخبر أن ما يبحث عنه غير موجود.

الفضائح الكبرى مثل إبستين ليست مجرد جرائم فردية، بل أعراض لنظام يعتمد على توريث الوصول وليس الكفاءة.

الفساد ليس في الأشخاص، بل في أن بعض الشبكات تُمنح حصانة تاريخية: من ينتمي إليها يُعفى من المساءلة، ومن يحاول دخولها يُتهم بالتدخل.

التاريخ لا يُكتب بالعواطف، لكنه يُقرأ من خلال من يملك مفاتيح الأرشيف.

السؤال الحقيقي إذن: هل نريد مجتمعًا يورث المعرفة أم مجتمعًا يورث مفاتيحها؟

الأول يُنتج علماء، والثاني يُنتج حراسًا.

1 Comments