هل رأيت يوما كيف تحتفظ الصحراء بذاكرتها؟

ليست ذاكرة كتب أو أرشيفات، بل ذاكرة الرمل الذي يعلق بالكتفين، والشقوق التي تحفرها المسافات في القدمين، والبسمة العطشى التي لا ترويها إلا رياح الحكايات.

هكذا يقف محمد الثبيتي في "صفحة من أوراق بدوي" – لا يقدم نفسه، بل يقدم الصحراء نفسها كشخصية حية، عصية على الاستلاب.

هنا الفخر ليس بانتصارات أو ألقاب، بل بجرح لا يندمل، وبعير يقف على الأبواب بلا مطارات، وحصان قديم توزع الشمس على غرته.

الثبيتي لا يغني للوطن، بل يغني من الصحراء، وكأنها ليست مكانا بل هوية لا تنفصل عنه.

حتى الحبيبة التي يُخاطبها لا تملك مفاتيح هذا العالم؛ يمكنها أن تسكب البدر في كبده أو تشعل فيه بحرا، لكنها لن تزيل بقايا الرمل عن كتفيه، ولا عبير الخزامى عن عباءته.

لأن عشقه ليس لها وحدها، بل للريح التي تهدهد شويهاته، وللآفاق التي ينتعلها كحذاء.

أجمل ما في القصيدة هذا التوتر بين العزلة والكبرياء، بين العطش والاكتفاء.

الكف هنا ليست مجرد يد، بل خريطة عمر كله: جراحات، أفراح سماوات، ومارد ينتظر موسمه الآتي.

هل قرأت يوما تاريخا في كف إنسان؟

الثبيتي يفعل ذلك، لكنه لا يقرأ الماضي فقط، بل المستقبل الذي لا يزال مشتعلا كالنار المؤججة.

هل شعرت يوما أن المكان الذي تنتمي إليه لا يُملَك، بل يُلبس كعباءة؟

1 コメント