هل شعرت يوما بأنك تقف على قبر صديق، لكنك لا تبكيه بقدر ما تحتفل به؟

هكذا بالضبط يفعل ناجي في هذه القصيدة: يحول لحظة الفقد إلى احتفال بالوفاء، والغربة إلى حنين دافئ، والألم إلى كبرياء صامت.

ليست رثاء بالمعنى التقليدي، بل احتفاء بالحياة التي عاشها الراحل من خلال الآخرين، كأن الموت نفسه يصبح مجرد فصل في قصة أطول، لا ينتهي فيها الصوت إلا حين ينطفئ آخر صدى له في القلوب.

الصورة المركزية هنا ليست قبرا، بل "حفل" – كلمة تضيء القصيدة كلها.

الحفل الذي لا ينتهي لأن الذكريات لا تموت، ولأن الشاعر لا يرثي بقدر ما يعيد إحياء الروح التي غادرت الجسد.

حتى الجرح، ذلك الجرح الذي لا يلتئم، يصبح هنا رمزا للكبرياء: "كلما آلمك الجرح أحسست به لطّفته بالكبرياء".

ألم يكن ناجي نفسه يعرف شيئا عن هذا؟

عن الألم الذي لا يشفى، لكنه يصبح جزءا من الهوية، جزءا من القوة؟

ثم تأتي المفارقة اللذيذة: الشاعر الذي بكى آلام الناس، غنّى لهم، أشعل مصابيحهم في الظلام، هو نفسه الآن من يحتاج إلى أن يُذكر.

لكن كيف يرثي من كان نورا للآخرين؟

كيف يبكي من عاش "باذلا من قوته حتى الفناء"؟

هنا تكمن عبقرية القصيدة: في تحويل الرثاء إلى حوار، إلى نداء، إلى سؤال مفتوح: هل يبقى الشعر حقا بعدما يذهب الشعراء؟

أحببت كثيرا كيف جعل ناجي الموت ليس نهاية، بل انتقالا إلى "عالم نحن له جد ظماء".

كأن الراحل لم يمت، بل رحل فقط إلى مكان لا نستطيع الوصول إليه، لكننا نشعر بوجوده في كل نسمة حائرة تحمل إلينا حنينه.

هل تعتقد أن الذكريات وحدها هي ما يبقي الناس أحياء بعد رحيلهم؟

أم أن هناك شيئا آخر، شيئا لا يمكن تسميته، لكنه يحس في تلك اللحظات التي نحس فيها بأن من رحل ما زال هنا، بيننا، في الهواء الذي نتنفسه؟

1 코멘트