هناك لحظات في الحياة تصبح فيها الذاكرة صندوقًا صغيرًا نحمله في الجيب، مليئًا بصور مهزوزة وأصوات لم تعد تسمعها إلا همسًا.

هذه القصيدة واحدة منها: صورة فوتوغرافية مهترئة لرجل رحل، لكنها لم تزل حية في تفاصيل لا يراها سوى من أحبّه.

الشاعر هنا لا يرثي صديقه فقط، بل يرثي زمنًا بأكمله، زمنًا كانت فيه بغداد ليست مجرد خراب، بل خرابًا مشتركًا، خرابًا يُخيط معه سجادة من الصبر والخوف، ويبحثان معًا عن أمل في عيني صباغ أحذية كهل أو في خطوات عابثة في أزقة البتاويين.

الغريب في هذه القصيدة أنها لا تبكي بقدر ما تتساءل: كيف استطاع هذا الصديق أن يحمل آلامه حارسًا شخصيًا؟

وكيف نجا هو نفسه من ذلك؟

هناك نبرة استرخاء غريبة في الحزن، كأنها تقول إن الفقد ليس نهاية، بل مجرد غياب طويل، غياب يترك وراءه أسئلة عن الأحلام التي كانت ممكنة، وعن الرقّة التي صارت نادرة اليوم.

كأن الشاعر يقول لنا: نحن لا نفقد الأشخاص فقط، بل نفقد أيضًا الطريقة التي كنا نحب بها، والطريقة التي كنا نرى بها العالم من خلال أعينهم.

أكثر ما يلمسني في هذه القصيدة هو تلك اللحظة التي يتخيل فيها الشاعر ابنته الصغيرة ترفع يدها لتحمل صديقها الراحل في الهواء، كأنها تريد أن تعيده ولو للحظة.

هل فكرتم يومًا كيف يمكن للحزن أن يكون أيضًا نوعًا من اللعب، نوعًا من الأمل؟

كيف يمكن لغياب شخص أن يجعلنا أكثر التصاقًا بالحياة؟

1 Comments