أبو تمام هنا لا يعاتب، بل يكاد يصرخ من خيبة ظنٍ طالما غذاها بأملٍ زائف.

كأنك تسمع صوت رجلٍ وقف عند حافة الوهم، فوجئ أن الأرض تحت قدميه ليست سوى سرابٍ جاف.

"أمويس كيف رأيت نصب حبائلي" ليست سؤالًا بقدر ما هي صرخة مكتومة، تحمل في طياتها كل مرارة من ظنّ أن الشعر والوفاء سيجدان صدى عند من لا يملكان حتى ظلالهما.

الصورة التي ترسمها القصيدة قاسية ومحبطة: الشاعر الذي بذل كلماته كسهامٍ تصيب الهدف، فإذا بها ترتد إليه جرحًا.

هناك توترٌ بين ما وعد به نفسه وما وجده في الواقع، بين البحر الذي ظنّه عذبًا فإذا به ملحٌ لا يروي، وبين الشاطئ الذي ظنّه ملاذًا فإذا به فخٌّ لا يرحم.

حتى تلك الحيوانات التي فداها بقصائده كانت أكرم منه، لأنها على الأقل لم تحتج إلى مقابل!

والأجمل في هذه الأبيات أنها لا تكتفي بالشكوى، بل تكشف عن حقيقة مريرة: اللئام لا يتغيرون، والشاعر الذي يمدحهم بعاجلٍ يجد نفسه ملطخًا بالعار في الآجل.

كأن أبو تمام يقول لنا: إن كان هناك درسٌ واحدٌ يستحق التذكر، فهو أن الأمل في غير أهله ليس سوى نوعٍ من الانتحار البطيء.

هل سبق لكم أن شعرتم أنكم أضعتم وقتكم وجهدكم على من لا يستحق؟

وكيف كانت ردة فعلكم عندما اكتشفتم أن الوهم كان أجمل من الحقيقة؟

#القصيدة

1 Commenti