أحيانًا يكون الحزن أعمق من أن يُعبّر عنه بالدموع، فتتحول العين إلى بحر لا ينضب، لا من شدة البكاء، بل من شدة ما يختزنه القلب من ألم.

الخنساء هنا لا تبكي صخرًا فقط، بل تبكي زمنًا بأكمله فقدَ فارسه، فارسًا كان كالغيث في الجدب، كالأسد في المعركة، كالشمس التي لا تحجبها الغيوم.

كل بيت في هذه القصيدة ينبض بذكرى لا تموت، ذكرى رجل لم يكن مجرد أخ، بل كان ملاذًا للأيتام، درعًا للمظلومين، وموئلًا للأضياف في ليالي الشتاء القاسية.

الصورة التي لا تفارقني هي تلك التي تصفه "هرئت الشدق ريالًا"، كأنما الأسد نفسه يئن من فقدانه، فكيف بالقلب البشري؟

الخنساء لا تقول لنا إن صخرًا مات، بل تجعلنا نشعر وكأننا نعرفه، وكأننا فقدناه معها.

وحين تقول "لو أن الدهر اتخذ خليلًا لكان خليلَه صخر بن عمرو"، تكشف لنا عن حزن أعمق من الفقد الفردي: حزن على زمن لم يعد يستحق أن يعيش فيه أحد غيره.

ما الذي يجعل الحزن الجميل أحيانًا أجمل من الفرح؟

وهل هناك خسارة تبقى حية في الذاكرة لأنها ببساطة لا تُنسى، أم لأننا نرفض أن ننساها؟

1 Comments