أبو العتاهية هنا لا يبكي على اللبن المسكوب، بل يقف في منتصف العمر يراقب نفسه وهي تضيع الوقت بين يديها، بينما تطارد ما لا تملكه.

هناك شيء مقلق في هذه الأبيات، كأن الزمن نفسه أصبح عدوا خفيا: الأمس رحل بلا عودة، والغد مجرد وهم، والموت ليس حدثا في نهاية الطريق، بل رفيقا دائما منذ اللحظة الأولى.

الصورة الأقوى هي تلك السلالم اللانهائية التي يصعدها الشاعر، كل درجة تقربه من الهاوية، وكل خطوة تبعده عن الحياة دون أن يشعر.

ما يعجبني في هذه القصيدة هو أنها لا تقدم حكمة جافة، بل لحظة وعي مفاجئة، كأنها صرخة مكتومة في زحام الحياة.

هل لاحظتم كيف يتحول "البرزخ الأبعد" من مكان غامض إلى عنوان لحياتنا اليومية؟

كأننا جميعا نسير في ممر ضيق بين ما فات وما لم يأتِ بعد، نلهث وراء أشياء بينما الزمن يسرقنا بهدوء.

أتساءل: كم مرة شعرنا بهذا الشعور دون أن نجد الكلمات له؟

وهل نحتاج حقا إلى شاعر من القرن الثاني ليخبرنا بما نعرفه بالفعل، أم أن الجمال يكمن في أن نسمع صدى أفكارنا بصوت آخر؟

1 Comments