عيد يعود، لكن ليس عيدًا عاديًا.

.

إنه عيدٌ يحمل معه ذاكرة المكان العالي، ذاك الثرى الذي لا يُنسى، حيث تلتقي الأفلاك بالهمم، والنجوم بالسعادة.

ابن نباتة المصري هنا لا يصف مجرد عودة زمنية، بل عودة معنى: عيدٌ يتجلى في أفق اليمن، في مجد الخلافة، في دمشق التي تهتز فرحًا بمقدمه، كأنها غيداء تزينت للقاء حبيب.

القصيدة تمشي على حبل رفيع بين الفخر والحنين، بين المدح والرقة.

الشاعر يرسم عالماً من النور: هلال العيد يقدمه حاجب، رمضان يشتاق لشوال، والقلم والسيف يتعانقان في حماية الأرض.

لكن الأروع هو هذا التداخل بين السياسي والشخصي، بين مدح السلطان ومداعبة الغزل، كأن المديح نفسه يصبح نوعًا من العشق.

أكثر ما يثير الدهشة هو هذه الازدواجية: الشاعر الذي يرفع من شأن الخليفة إلى أفق النجوم، ثم ينزل فجأة ليقول: "يا مطلق الحسن أحشائي مفلفلةٌ.

.

دعني وأغلالي".

كأن القصيدة ترفض أن تكون مجرد وثيقة سياسية، وتصر على أن تكون روحًا نابضة، فيها من الدموع بقدر ما فيها من الفخر.

والسؤال هنا: هل يمكن للمديح أن يكون فنًا خالصًا دون أن يفقد صدقه؟

ابن نباتة جعل من الكلمات خلعًا ملكية، وقلائد من نور، لكنه في الوقت نفسه لم ينسَ أن يذكرنا بأن وراء كل مجد، قلبًا يخفق، وعينًا تذرف.

فهل نقرأ المديح اليوم كفن أم كتوثيق؟

أم أن الشعر قادر على أن يكون الاثنين معًا؟

1 Comments