ليلةٌ ليست ككل الليالي، ليست ظلاماً خالصاً ولا ضوءاً مبهراً، بل مسكوكةٌ من قناديل خجولة، تلك التي لا تصرخ بضوئها، بل تُسرب وهجها همساً كأنما تخجل من سطوتها.

هنا، في هذا الليل المصفّى، يُفتح صندوق الرغبات القديم، ذاك الذي طالما ظننا أنه أُغلق إلى الأبد، فإذا به يُفتح بخفة الهواء المقدس، ذاك الذي يتسلل دون أن يراه أحد، لكنه يُحس في كل نَفَس، في كل ارتعاشة شوق.

الشاعر هنا لا يرسم مشهداً، بل يفتح باباً لداخلنا نحن: تلك الرغبات التي نحملها ولا نجرؤ على تسميتها، تلك العيون المستديرة بالشوق، التي لا تحتاج إلى ضوء ساطع لترى، بل يكفيها وهج القناديل الخجولة لتلمح ما بداخلها.

الهواء المقدس ليس ريحاً عابرة، بل ذاك الذي يحمل رائحة الماضي ورعشة الحاضر، يتسلل بين السطور كما يتسلل الأمل بين ثنايا اليأس.

أحببت كيف جعل الحارثي الشوق "مستديراً" في العيون، كأنما هو شيءٌ كاملٌ في ذاته، لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير.

هل لأن الشوق وحده قادر على أن يكون دائرة كاملة، بلا بداية ولا نهاية؟

وهل لأن العيون هي النافذة الوحيدة التي لا تكذب، حتى وإن كانت القناديل خجولة؟

أتساءل: متى كانت آخر مرة فتحتَ فيها صندوق رغباتك القديم؟

وهل كان الهواء حينها مقدساً أم مجرد ريح عابرة؟

1 Comments