في كل بيت من هذه القصيدة، كأنك تسمع صوتاً يرتفع ثم يتهدج، ثم ينكسر في بكاء مكتوم.

الشاعر لا يرثي مجرد رجل، بل يرثي فكرةً بأكملها: النبل الذي لا ينجو من القدر، والعظمة التي تُقتلع فجأة فتترك وراءها فراغاً لا يملؤه سوى الدمع والنسيان.

الكلمات هنا ليست مجرد حبر، بل هي دفقات من ألم متراكم، كأن الشاعر يحاول أن يوقف الزمن عند لحظة الفقد، لكن الزمن يصر على الجريان، فيبقى البكاء وحده شاهداً على ما كان.

الصور تتدفق بغزارة، لكنها ليست صوراً زاهية، بل هي ظلالٌ من النور الذي انطفأ.

"طلعة قمرية في عصمة ملكية".

.

"شمائل أشهى من التسنيم".

.

كأن الشاعر يرسم لوحةً ثم يمحوها بيد مرتعشة.

حتى الرثاء نفسه يصبح فعلاً مزدوجاً: فهو يبكي الفقيد، لكنه في الوقت نفسه يبكي على زمنٍ لم يعد يحتمل عظماء كهؤلاء.

وحين يقول "جميل سيرته وحسن ثنائه فضل يخلف راحلٌ لمقيم"، تشعر أن الشاعر يدرك أن الثناء وحده لن يعيد الميت، لكنه يحاول على الأقل أن يجعل غيابه أقل قسوة.

أكثر ما يثير الفضول هنا هو هذا التناقض الحي بين الفخامة واللوعة.

الشاعر يخاطب الفقيد بأسماء عظيمة ("ابن المصطفى"، "مصطفى"، "ابن سينا")، وكأنه يريد أن يؤكد أن هذا الرجل كان يستحق أكثر من دمعة عابرة.

لكن في الوقت نفسه، هناك هذا الإحساس بأن كل تلك العظمة لم تمنع القدر من أن يكون قاسياً.

هل كان الرثاء هنا محاولة أخيرة لتحدي الموت، أم استسلاماً حزيناً لقسوته؟

وهل تعتقدون أن الشعر، في لحظات الفقد، يصبح هو الآخر نوعاً من الصلاة التي لا تُسمع؟

1 Comments