يا له من حوار صامت بين الشاعر ونفسه المتعبة!

المازني هنا لا يبكي على فراق أو موت بالمعنى التقليدي، بل على مصرع أحلامه نفسها – تلك الخرقاء التي أسبلت دموعها حتى جفت عيونها، ولم تترك له سوى أوجاع متراكمة.

الصورة قاسية ورقيقة في آن: شاعر يستطعم الليالي مرارتها فلا يجدها إلا أكثر حاذقة في تعذيبه، ومع ذلك يرفض أن يكون "مجزاعًا"، كأنه يقول لنا: الألم ليس ضعفًا، بل هو ثمن الوعي.

ما يثير الدهشة هو هذا التوتر الداخلي بين الكذب والتصديق، بين الأماني التي تومض كالبرق وبين القلب الذي ينثني "غير مخدوع".

المازني يعترف بأنه كان ضحية نفسه أحيانًا، لكنه لا يستسلم: "للَّه صرخة وجدٍ أنت مرسلها" – كأنها صرخة في وادٍ لا يردد صدى، لكن هل يهم؟

المهم أن هناك من يسمع، قلب واعٍ واحد يكفي.

أحببت كيف جعل المعاني واللفظ خادمين له، وكأنهما يعترفان له بالولاء: "يعنو لك اللفظ والمعنى كما امتثلت هذي العوالم أمر الخالق الراعي".

هل هو ثقة أم استسلام؟

أم أن الشعر نفسه هو نوع من الخلق المتجدد؟

أخبروني، هل شعرتم يومًا أن أحلامكم خانتكم، لكنكم ظللتم متمسكين بها رغم كل شيء؟

وما الذي يجعلنا نبقى أوفياء لما يؤلمنا؟

1 Comments