أحيانًا يكون الحنين مجرد حفنة تراب ورائحة مطر قديم.

الأبيوردي يقف على أطلال ربعه في "ذي الأثلات"، لا يرى سوى رسم باهت كالوشم على جلد الزمن، لكن قلبه يصرخ: هذا ليس مجرد مكان، بل ذاكرة حية تتنفس في كل زهرة ربيع، في كل نسمة تحمل عطر "الكواعب" اللاتي مررن هنا.

حتى المطر الذي سقى الأطلال يبدو كأنه دموعه هو، دموع لم تجف بعد، بل تتسلل من جفن الأرض إلى جفنه.

ما أجمل هذه القسوة اللذيذة في القصيدة!

الشاعر يشتكي من شوقه، ثم يعاتب نفسه لأنه بخيل في مصيبته، لكنه كريم في عشقه.

حتى حين يأتي صديقه القرشي ليُذكّره بدموعه، لا يجد إلا عينين أخريين تنهمران دون سبب.

كأن الحزن هنا ليس ملكًا لأحد، بل هو نهر مشترك، كل من يمر به يغترف منه.

أكثر ما يثير الدهشة تلك اللحظة التي يتحول فيها المكان إلى جسد: هل هي قلوب طيور رسمت على صدور الفتيات، أم هي صدورهن نفسها؟

هل الأرض هنا ترابية أم بشرية؟

وهل الدموع التي تسيل على النجاد هي من سيفه أم من قلبه؟

ربما لأن الحب الحقيقي لا يعرف حدودًا بين الداخل والخارج، بين الماضي والحاضر، بين ما نراه وما نحلم به.

هل جربت يومًا أن تقف على أطلال حب قديم، فتجد نفسك تبكي دون أن تدري لماذا؟

هل هي الذكريات أم أن المكان نفسه يحمل حزنًا لا يملكه أحد؟

#مطر #الأرض

1 Comments